خليل الصفدي
80
نكت الهميان في نكت العميان
ولما رجع المعرى لزم بيته ، وسمى نفسه رهين المحبسين ، يعنى حبس نفسه في المنزل ، وحبس عينيه بالعمى . وكان قد رحل أولا إلى طرابلس ، وكانت بها خزائن كتب موقوفة ، فأخذ منها ما أخذ من العلم . واجتاز باللاذقية ، ونزل ديرا كان به راهب له علم بأقوال الفلاسفة سمع كلامه ، فحصل له بذلك شكوك ، والناس مختلفون في أمره ، والأكثرون على إكفاره وإلحاده . وأورد له الإمام فخر الدين الرازي في كتاب « الأربعين » قوله : قلتم لنا صانع قديم * قلنا صدقتم كذا نقول ثم زعمتم بلا زمان * ولا مكن ألا فقولوا هذا كلام له خبئ * معناه ليست لنا عقول ثم قال الإمام بعد ذلك : وقد هذى هذا في شعره . وأما ياقوت ، فقال : وكان متهما في دينه ، يرى رأى البراهمة ، لا يرى إفساد الصورة ، ولا يأكل لحما ، ولا يؤمن بالرسل ، ولا بالبعث والنشور . قال القاضي أبو يوسف عبد السلام القزويني : قال المعرى : لم أهج أحدا قط ، فقلت له : صدقت ، إلا الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، فتغير لونه ، أو قال وجهه . ودخل عليه القاضي المنازى ، فذكر له ما يسمعه عن الناس من الطعن عليه ، فقال : ما لي وللناس وقد تركت دنياهم ، فقال له القاضي : وأخراهم ، فقال : يا قاضى ، وأخراهم ، وجعل يكررها . قال ابن الجوزي : وحدثنا عن أبي زكرياء أنه قال : قال لي المعرى : ما الذي تعتقد ؟ فقلت في نفسي : اليوم يتبين لي اعتقاده ، فقلت له : ما أنا إلا شاك ، فقال : وهكذا شيخك . وأما الشيخ شمس الدين الذهبي ، فحكم بزندقته في ترجمة له طولها في « تاريخ الإسلام » « 1 » له ، وذكر فيها عنه قبائح . وأظن الحافظ السلفي قال : إنه تاب وأناب . وأما الباخرزى ، فقال في حقه : ضرير ما له في أنواع الأدب ضريب ، ومكفوف في قميص الفضل ملفوف ، ومحجوب خصمه الألد محجوج ، قد طال في ظلال الإسلام
--> ( 1 ) انظر : تاريخ الإسلام ( 30 / 198 - 220 ) .